فخر الدين الرازي
16
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
على ما كان ، وهو عدم التقرير ، فبهذه الوجوه ظهر ترجيح مذهب الشافعي واللَّه أعلم . المسألة الثانية : قوله : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ كلمة تعجب ، أي لأي وجه ولأي معنى تفعلون هذا ؟ فإنها بذلت نفسها لك وجعلت ذاتها لذتك وتمتعك ، وحصلت الألفة التامة والمودة الكاملة بينكما ، فكيف يليق بالعاقل أن يسترد منها شيئا بذله لها بطيبة نفسه ؟ إن هذا لا يليق البتة بمن له طبع سليم وذوق مستقيم . الوجه الرابع : من الوجوه التي جعلها اللَّه مانعا من استرداد المهر قوله : وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً في تفسير هذا الميثاق الغليظ وجوه : الأول : قال السدي وعكرمة والفراء : هو قولهم زوجتك هذه المرأة على ما أخذه اللَّه للنساء على الرجال ، من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ، ومعلوم أنه إذا ألجأها إلى أن بذلت المهر فما سرحها بالإحسان ، بل سرحها بالإساءة . الثاني : قال ابن عباس ومجاهد : الميثاق الغليظ كلمة النكاح المعقودة على الصداق ، وتلك الكلمة كلمة تستحل بها فروج النساء ، قال صلّى اللَّه عليه وسلّم : « اتقوا اللَّه في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة اللَّه واستحللتم / فروجهن بكلمة اللَّه . الثالث : قوله : وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً أي أخذن منكم بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقا غليظا ، وصفه بالغلظة لقوته وعظمته ، وقالوا : صحبة عشرين يوما قرابة ، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 22 ] وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً ( 22 ) النوع الخامس : من الأمور التي كلف اللَّه تعالى بها في هذه الآية من الأمور المتعلقة بالنساء . فيه مسائل : المسألة الأولى : قال ابن عباس وجمهور المفسرين : كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهاهم اللَّه بهذه الآية عن ذلك الفعل . المسألة الثانية : قال أبو حنيفة رضي اللَّه عنه : يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه ، وقال الشافعي رحمة اللَّه عليه : لا يحرم احتج أبو حنيفة بهذه الآية فقال : إنه تعالى نهى الرجل أن ينكح منكوحة أبيه ، والنكاح عبارة عن الوطء فكان هذا نهيا عن نكاح موطوءة أبيه ، إنما قلنا : إن النكاح عبارة عن الوطء لوجوه : الأول : قوله تعالى : فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [ البقرة : 230 ] أضاف هذا النكاح إلى الزوج ، والنكاح المضاف إلى الزوج هو الوطء لا العقد ، لأن الإنسان لا يمكنه أن يتزوج بزوجة نفسه لأن تحصيل الحاصل محال ، ولأنه لو كان المراد بالنكاح في هذه الآية هو العقد لوجب أن يحصل التحليل بمجرد العقد وحيث لم يحصل علمنا أن المراد من النكاح في هذه الآية ليس هو العقد ، فتعين أن يكون هو الوطء لأنه لا قائل بالفرق ، الثاني : قوله تعالى : وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ [ النساء : 6 ] والمراد من النكاح هاهنا الوطء لا العقد ، لأن أهلية العقد كانت حاصلة أبدا . الثالث : قوله تعالى : الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً [ النور : 3 ] فلو كان المراد هاهنا العقد لزم الكذب . الرابع : قوله عليه الصلاة والسلام : « ناكح اليد ملعون » ومعلوم أن المراد ليس هو العقد بل هو الوطء . فثبت بهذه الوجوه أن النكاح عبارة عن الوطء ، فلزم أن يكون قوله تعالى :